كشف تقرير أعده موقع «نون بوست» أن المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا أصبح بؤرة للتنافس على الذهب ومسارات الإمداد العسكري في ظل الحرب السودانية، بعدما أتاح سيطرة قوات الدعم السريع على مواقع صحراوية في جبل العوينات فتح طريق استراتيجي نحو جنوب شرقي ليبيا، حيث تتداخل شبكات التجارة والتهريب المرتبطة بجماعات مسلحة موالية للقائد العسكري الليبي خليفة حفتر مع أسواق الذهب الإقليمية والدولية.
ووفقًا لما أورده الموقع، ازدادت الأهمية العسكرية والاقتصادية للمنطقة منذ يونيو 2025، حين انسحب الجيش السوداني من مواقعه وسيطرت قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، على المنطقة. وعزز تحقيق للأمم المتحدة لاحقًا الاتهامات السودانية بمشاركة قوات ليبية في الهجوم، موثقًا دور جماعات مسلحة في تسهيل وصول المقاتلين والوقود والمعدات العسكرية.
وأدى تغير السيطرة إلى تعطيل أنشطة التعدين ونزوح آلاف العمال، قبل أن يستأنف استخراج الذهب تدريجيًا تحت إشراف الدعم السريع، وفق ترتيبات لتقاسم العائدات مع المنقبين والتجار. وفي الوقت نفسه، كشفت تحقيقات دولية وشهادات ميدانية عن شبكات تنقل الذهب السوداني عبر ليبيا ومصر إلى أسواق دبي وإسطنبول، بينما عززت القاهرة وجودها العسكري قرب الحدود السودانية، مع استمرار علاقاتها الوثيقة بحفتر ودعمها للجيش السوداني.
وزادت الغارات الجوية التي استهدفت منقبين عن الذهب في منطقة جبل العقيدات على الحدود السودانية المصرية، في 10 أكتوبر 2026، من حدة التوترات حول الموارد الحدودية. وأعلنت جهات سودانية مقتل عشرات الأشخاص، وسط اتهامات لطائرات مصرية بتنفيذ الهجمات، فيما ظلت حصيلة الضحايا والجهة المسؤولة عن الغارات محل تحقيق.
مناجم المثلث الحدودي: أين يوجد الذهب ومن يسيطر عليه؟
يقع المثلث عند جبل العوينات في الصحراء الكبرى، حيث تلتقي حدود السودان ومصر وليبيا، وتمتد أنشطته الاقتصادية إلى مناطق صحراوية أوسع تضم مواقع للتنقيب وأسواقًا تقليدية. وبدأ التنقيب عن الذهب في المنطقة نحو عام 2012، وفق دراسة أعدها الباحث في الشؤون الأفريقية أحمد سليمان وسليمان بلدو، مؤسس منظمة «متتبع الشفافية والسياسات السودانية»، ونشرها المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية «تشاتام هاوس» في مارس 2025.
تحولت سوق المثلث إلى مركز لجمع الذهب وتبادل السلع، وارتبطت بشبكة إمداد تصل إلى سوق الخناق في الولاية الشمالية بالسودان. وفي تحقيق نشرته منصة «أتَر» السودانية في 9 يوليو 2026، أوضح التاجر عبد الجبار حسن العبيد أن الشاحنات كانت تنقل المياه والمواد الغذائية ومعدات التعدين إلى المنطقة، ثم تعود ببضائع من ليبيا وأحجار حاملة للذهب لمعالجتها في مطاحن الخناق. وشكل هذا النشاط مصدر رزق لسائقي الشاحنات والحمّالين وأصحاب المطاعم ومحال البقالة والصاغة.
لكن تغير السيطرة العسكرية عطل الإنتاج والتجارة. وقال المنقب محمد عثمان، في شهادة نشرها موقع «دارفور 24» في 21 أغسطس 2025، إن قوات الدعم السريع طلبت من العمال مواصلة التنقيب بعد دخولها المنطقة، قبل أن تبدأ موجة نزوح جراء عمليات نهب اتهم بعض أفراد القوات بارتكابها.
واستمر الإنتاج نحو 33 يومًا، ثم توقف بعدما استهدفت ضربات بطائرات مسيّرة مصادر المياه في جبل كاسو وسوق الكتمة. واتهم عثمان الجيش السوداني بتنفيذ الضربات، مشيرًا إلى أن إحداها أودت بحياة ثمانية منقبين وأصابت آخرين.
وفي نوفمبر 2025، نقل «دارفور 24» شهادات ثلاثة عمال وصلوا إلى وادي حلفا، قالوا إن قوات الدعم السريع أخرجت المنقبين من المناجم خلال أكتوبر واستولت على مواقع التعدين. وروى المنقب محمد عيسى شرف الدين أن قوة مسلحة حاصرت مواقع العمل ومنحت الموجودين أسبوعًا للمغادرة عبر الحدود المصرية. كما تحدث آخرون عن نزوح مجموعات كبيرة عقب استهداف بئر «أم الخير»، أحد المصادر الرئيسية للمياه في المنطقة، على بُعد 70 كيلومترًا من السوق.
واستؤنف النشاط التعديني تدريجيًا في أبريل 2026، بعدما سمحت قوات الدعم السريع للتجار والمستثمرين بالعودة. وكشف تحقيق لـ«دارفور 24» أن المناجم عادت إلى العمل وفق اتفاقات لتوزيع حصص الإنتاج بين المستثمرين والعمال، وأن مطاحن الأحجار استأنفت نشاطها، مع استخدام الزئبق لاستخلاص الذهب.
وأوضح المنقب إسحاق إبراهيم أن شركة مرتبطة بالدعم السريع بدأت شراء «الكرتة»، وهي مخلفات الأحجار المتبقية بعد استخلاص الذهب، لإعادة معالجتها مقابل حصة من المعدن المستخرج. كما تحدث تاجر محلي عن تفاهمات مع القوات المسيطرة على المنطقة لتأمين الأسواق والمناجم والحد من النهب والاختطاف. وعادت محال الذهب والبقالة والمطاعم إلى العمل بصورة محدودة، واستؤنف وصول البضائع من مدينة الكفرة الليبية.
وتشير هذه الترتيبات إلى استفادة القوة المسيطرة من عائدات التعدين عبر حصص الإنتاج وإعادة معالجة المخلفات، لكن نسب التوزيع وهوية الشركة التي تشتري «الكرتة» لم تُكشفا. كما تعرض التعدين لاضطرابات جديدة في مايو 2026، مع الحشود العسكرية والقيود المفروضة على حركة المنقبين بسبب التهديدات الأمنية ونشاط الطائرات المسيّرة.
وتنسجم هذه الآلية مع خبرة الدعم السريع السابقة في إدارة مناجم الذهب. فبحسب دراسة «تشاتام هاوس»، استفادت القوات قبل الحرب من شركات تابعة لمجموعة «الجنيد» المرتبطة بعائلة دقلو، ومن ترتيبات حماية فُرضت على العمال والتجار، كما شاركت بعض وحداتها مباشرة في استخراج الذهب. وظهر هذا النموذج في مناجم جبل عامر بشمال دارفور وسنقو بجنوب دارفور، قبل تطبيق ترتيبات مماثلة لتقاسم الإنتاج ومعالجة المخلفات في المثلث الحدودي.
من المناجم إلى الأسواق: شبكات تهريب الذهب وتمويل الحرب
يُجمع الذهب المستخرج من المثلث أولًا لدى التجار في أسواق التعدين، ثم يُنقل عبر الطرق الصحراوية إلى ليبيا ومصر. وأكد منقبون، في شهادات نشرها «دارفور 24» في أغسطس 2025، أن معظم الإنتاج يُهرّب إلى البلدين بسبب العائدات الأعلى مقارنة بالبيع داخل السودان. كما أدى تدهور الأوضاع الأمنية بعد سيطرة الدعم السريع إلى انخفاض الأسعار التي يحصل عليها العمال وتراجع حركة المشترين والمركبات.
وتُعد الكفرة، جنوب شرقي ليبيا، إحدى المحطات الرئيسية في هذه التجارة، إذ تتقاطع فيها شبكات نقل البضائع والوقود والمهاجرين والذهب القادم من السودان وتشاد. وفي مارس 2025، تتبعت منصة «أتَر» مسارات التجارة والتهريب بين السودان وليبيا، موضحة أن القوافل كانت تنتقل من نيالا والفاشر عبر كبكابية وكتم والعوينات وصولًا إلى الكفرة. لكن الحرب دفعت بعض الحركة التجارية إلى التحول نحو مليط وطرق تمر عبر نقاط تفتيش تديرها القوات المسيطرة على تلك المناطق.
ويُنقل الذهب الخام المستخرج من مناجم دارفور وكردفان عبر شبكات التهريب إلى الأسواق الليبية، بينما تتحرك الوقود وقطع الغيار والسلع في الاتجاه المعاكس، في ظل تنامي نفوذ الجماعات المسلحة على التجارة العابرة للحدود.
وفي 3 يناير 2026، أفاد «دارفور 24»، نقلًا عن أربعة مصادر في شمال دارفور، باستئناف حركة التجارة بين بلدة المالحة السودانية والكفرة عبر واحة ربيانة والمثلث الحدودي، عقب سيطرة الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025. وقال التجار إن عشرات الأشخاص كانوا يسافرون أسبوعيًا لجلب الوقود والمواد الغذائية بمركبات صغيرة، بينما ظلت الشاحنات الثقيلة تواجه صعوبات في العبور. وأسهمت عودة الحركة في خفض أسعار بعض السلع بأجزاء من شمال دارفور.
وعلى الجانب الليبي، تؤدي كتيبة «سبل السلام»، بقيادة عبد الرحمن هاشم الكيلاني، دورًا مهمًا في تأمين الطرق انطلاقًا من الكفرة. وترتبط الكتيبة بقوات حفتر وبقبيلة الزوية ذات النفوذ في المدينة.
ووفق دراسة نشرها «تشاتام هاوس» في فبراير 2025 عن اقتصاد تهريب المهاجرين في ليبيا، تدير الكتيبة نقاط تفتيش تفرض رسومًا على البضائع وعمليات العبور. وتوزع ترتيبات محلية أُنشئت عام 2017 هذه الإيرادات عبر «صندوق إعادة إعمار الكفرة»، إذ تحصل الكتيبة على نصف العائدات مقابل توفير الأمن وجمع الرسوم، بينما يذهب النصف الآخر إلى المجلس المحلي.
وتتصل هذه الطرق بشبكة ليبية أوسع تستقبل الذهب من مناجم كوري بوغودي وتيبستي وإزري قرب الحدود الليبية التشادية، إلى جانب الذهب القادم من المثلث السوداني المصري الليبي. وبحسب دراسة سليمان وبلدو، تحولت ليبيا إلى مركز لتجميع الذهب ونقله إلى الأسواق الخارجية، بمشاركة قادة جماعات مسلحة تابعة لحفتر، عبر رحلات جوية إلى إسطنبول ودبي ومسارات تمر بمطاري مصراتة ومعيتيقة.
وفي 21 سبتمبر 2024، أعلنت وكالة الأمن الداخلي الليبية إحباط محاولة لتهريب 100.8 كيلوجرام من الذهب ومبلغ 1.5 مليون يورو داخل أربع حقائب على متن رحلة متجهة إلى تركيا من مطار مصراتة، في واقعة توضح أحد المسارات الجوية المستخدمة في التهريب.
وكشفت وثائق العقوبات الأمريكية عن شركات مرتبطة بتجارة الذهب السوداني وتمويل قوات الدعم السريع، ولا سيما عبر السوق الإماراتية. ففي 7 يناير 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على حميدتي وشركات وأفراد مرتبطين بشبكات تمويل قواته. ومن أبرز المستهدفين رجل الأعمال السوداني أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، مالك ومدير مجموعة «كابيتال تاب القابضة» المسجلة في الإمارات، التي قالت الوزارة إنها قدمت أموالًا ومعدات عسكرية للدعم السريع.
وشملت العقوبات شركة «الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات»، المعروفة باسم «إيه زد جولد»، التي يديرها أبو ذر. وقالت الوزارة إن الشركة اشترت الذهب من السودان ونقلته إلى دبي، مرجحة أن تكون عمليات الشراء قد جرت لحساب الدعم السريع. وأضافت أن القوني حمدان دقلو، شقيق حميدتي والمسؤول عن المشتريات في القوات، كان يستطيع الوصول إلى حساب الشركة المصرفي في الإمارات، الذي احتوى على ملايين الدولارات.
كما شملت الشبكة شركة «نكست جينيريشن للتجارة العامة»، التي يشارك أبو ذر في ملكيتها وإدارتها، وكان عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد الدعم السريع، مساهمًا فيها بحصة أقلية. ووفق وزارة الخزانة الأمريكية، امتلكت الشركة حصة في بنك الخليج الذي خضع لسيطرة الدعم السريع واستُخدم لتمويل عملياته.
وامتدت العقوبات البريطانية في 16 يوليو 2026 لتشمل 11 شخصًا وكيانًا قالت لندن إنهم ضالعون في تمويل الحرب وشبكات المشتريات والتجارة المرتبطة بالجيش السوداني والدعم السريع. وشملت أبو ذر وشركات وأفرادًا يُشتبه في ارتباطهم بمشتريات الدعم السريع، إلى جانب شركات اتُهمت بالمساعدة في تنظيم الإمدادات والمعاملات المالية.
كما استهدفت العقوبات أحمد عبد الله، الذي ربطته الحكومة البريطانية بمشتريات الجيش السوداني ومنظومة الصناعات الدفاعية، وشركة «بورتكس تريد» المسجلة في هونغ كونغ، وثلاث شركات تعدين سودانية مملوكة للدولة، هي «أمدرمان للتعدين» و«أرياب للتعدين» و«سودامين». واشتبهت لندن في استخدام عائدات هذه الأنشطة لدعم طرفي الحرب.
وفي سياق متصل، تراجعت الشحنات المباشرة من الذهب السوداني إلى الإمارات مع تدهور العلاقات بين الخرطوم وأبوظبي، بينما برزت مصر وجهة رئيسية للصادرات الرسمية في 2025، وفق بيانات بنك السودان المركزي التي نُشرت في أبريل 2026.
وتساعد فروق الأسعار والرسوم في تفسير جاذبية السوق المصرية؛ إذ قدّر سليمان وبلدو أن نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر كان يتجه إلى مصر عبر التجارة غير الرسمية والتهريب خلال الفترة التي تناولتها دراستهما. وأشار الباحثان إلى أن سعر جرام الذهب عيار 21 بلغ نحو 85 دولارًا في مصر خلال أكتوبر 2024، مقابل 55 إلى 60 دولارًا في السودان. كما استُخدمت عائدات الذهب لشراء الوقود والمواد الغذائية ومدخلات التعدين ونقلها إلى السودان.
وبحسب إعلان الشركة السودانية للموارد المعدنية في 6 أكتوبر 2026، بلغت قيمة صادرات الذهب السوداني المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نحو 2.292 مليار دولار، بينما وصلت الإيرادات الحكومية المحصلة إلى 1.886 تريليون جنيه سوداني، متجاوزة المستهدف بنسبة 31%.
وفي 13 يوليو 2026، أقر الاتحاد الأوروبي حظرًا على شراء الذهب السوداني أو استيراده أو نقله بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل الذهب الذي غادر السودان بعد 15 يوليو ومر عبر دولة ثالثة قبل وصوله إلى دول الاتحاد. كما حظر توريد الزئبق وسيانيد الصوديوم المستخدمين في استخلاص الذهب إلى السودان، في محاولة لتقييد مصادر الدخل والمدخلات المرتبطة باقتصاد الحرب.
ورغم ما كشفته العقوبات الدولية من شبكات تمويل وتجارة واسعة، فإن إثبات الصلة المباشرة بين المشترين النهائيين ومناجم المثلث لا يزال يتطلب سجلات شحن ومعاملات تجارية محددة، لا سيما في ظل استمرار عمل الشركة المرتبطة بالدعم السريع في معالجة مخلفات الذهب دون الكشف عن اسمها أو حجم الإيرادات التي تحصل عليها القوات.
صراع النفوذ في المثلث: كيف غيرت الحرب ميزان السيطرة؟
أعادت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع رسم الأهمية العسكرية للممرات الصحراوية بين دارفور وجنوب شرقي ليبيا. فإلى جانب تجارة الذهب والبضائع، تحولت هذه الممرات إلى طرق لنقل المقاتلين والأسلحة والوقود والمركبات، وأصبح المثلث الحدودي ساحة للتنافس على تأمين الإمدادات والتحكم في حركتها، وسط تصاعد مخاوف القاهرة من تقدم الدعم السريع نحو حدودها.
وبدأت الاشتباكات التي انتهت بسقوط المثلث مع تقارير عن دخول قوة موالية لحفتر نحو ثلاثة كيلومترات داخل الأراضي السودانية قرب جبل أركنو في 6 يونيو 2025. ووفق الرواية السودانية، أسفرت الاشتباكات عن مقتل جنديين ليبيين وأسر آخرين. وبعد أربعة أيام، اتهم الجيش السوداني قوات حفتر بمشاركة الدعم السريع في الهجمات على مواقعه، بينما رفضت القيادة العسكرية الليبية الاتهامات واتهمت جماعات متحالفة مع الجيش السوداني بمهاجمة دورياتها.
وفي 24 مارس 2026، كشف التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا تفاصيل دور كتيبة «سبل السلام» في تسهيل عمليات الدعم السريع عبر جنوب ليبيا. وخلص الخبراء إلى أن الكتيبة عززت سيطرتها على خطوط إمداد القوات بين يناير 2025 ومطلع 2026، بموافقة ضمنية من القيادة العسكرية التابعة لحفتر، مستفيدة من علاقاتها المحلية في الكفرة وصلاتها بجماعات التبو.
ووثق التقرير توفير الكتيبة مقاتلين ومواكبات عسكرية ووقودًا وقطع غيار للمركبات خلال الهجمات على المثلث، ما ساعد الدعم السريع على التقدم نحو العوينات، ثم توسيع تحركاته في الممر الواصل إلى كرب التوم داخل السودان والاستيلاء على معسكر عسكري هناك خلال النصف الثاني من يونيو 2025.
وربط الخبراء هذا التحول بمحاولات الجيش السوداني، منذ يوليو 2024، اعتراض الإمدادات القادمة من ليبيا عبر المثلث الحدودي السوداني الليبي التشادي، ما دفع الدعم السريع إلى استخدام طرق بديلة. وكشف التقرير كذلك استخدام منشآت حول الكفرة لنقل مقاتلين كولومبيين ومعدات ومركبات عسكرية باتجاه السودان، مشيرًا إلى امتداد العمليات التي استهدفت الإمدادات إلى الأراضي الليبية، حيث ضربت غارات سودانية شحنات ومقاتلين أجانب مرتبطين بالدعم السريع في أواخر 2025.
وظل المثلث حاضرًا في الحسابات العسكرية خلال 2026. ففي 15 مايو، نقل «دارفور 24» عن مصدر في الجيش السوداني أن القوات أكملت استعداداتها البرية والجوية لاستعادة المنطقة وقاعدة العطرون في صحراء شمال دارفور، بدعم من القوة المشتركة. وفي المقابل، تحدث مصدر بالدعم السريع عن نشر أكثر من 400 مركبة قتالية وتعزيز المواقع بأنظمة تشويش، بينما أفاد منقبون بفرض قيود على الحركة ومطالبتهم بمغادرة بعض المواقع.
وحتى أكتوبر 2026، ظلت قوات الدعم السريع تسيطر على الجانب السوداني من المثلث، دون تأكيد استعادة الجيش المنطقة.
وأثار تمدد الدعم السريع بمحاذاة الحدود المصرية مخاوف القاهرة بشأن أمنها القومي ووحدة السودان، خصوصًا بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش الرئيسية في دارفور، في أكتوبر 2025.
وفي 18 ديسمبر من العام نفسه، عقب استقبال رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي للبرهان، أعلنت الرئاسة المصرية أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته ومنع إنشاء كيانات موازية يمثل خطوطًا حمراء تمس الأمن القومي المصري، مؤكدة احتفاظ القاهرة بحق حماية هذه المصالح وفق القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.
وتزامن ذلك مع تعزيز القدرات العسكرية المصرية قرب الحدود. فقد عرض تحقيق نشرته «رويترز» في 2 فبراير 2026 صورًا بالأقمار الصناعية لطائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز «بيرقدار أقنجي» في مطار شرق العوينات المصري، الذي يبعد نحو 60 كيلومترًا عن الحدود السودانية وشهد توسعات وتجديدات خلال 2025.
وقال مسؤولان أمنيان مصريان إن القاهرة جهزت مطارين في جنوب البلاد بمعدات عسكرية لحماية الحدود وتنفيذ ضربات مرتبطة بالأمن القومي. وأشار التحقيق إلى معلومات عن غارة نُسبت إلى طائرات مصرية استهدفت قافلة للدعم السريع قرب المثلث في 9 يناير 2026.
وجاءت هذه التحركات مع تزايد أهمية طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتقدم الدعم السريع في مناطق قريبة من الحدود المصرية، بينما حافظت القاهرة على علاقاتها الوثيقة بحفتر، الذي ترتبط قواته بكتيبة «سبل السلام».
وفي 30 يونيو 2025، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط المثلث، استقبل السيسي حفتر في العلمين، بحضور نجليه خالد وصدام ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، لبحث التنسيق الأمني والاستقرار في ليبيا. وفي اليوم نفسه، استقبل السيسي البرهان لبحث تطورات الأوضاع في السودان والتعاون الثنائي. وتواصلت اللقاءات خلال العام التالي، إذ استقبل السيسي حفتر في 19 أغسطس 2026، بحضور نجليه خالد، رئيس أركان قواته، وبلقاسم، رئيس صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي.
وفي 4 أكتوبر، استضاف السيسي البرهان في مدينة العلمين الجديدة ضمن قمة رباعية شارك فيها أيضًا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود. وأكد «إعلان العلمين» احترام سيادة الدول ووحدتها ورفض دعم المرتزقة والكيانات الموازية.
وتثير هذه العلاقات تساؤلات حول أثر التنسيق المصري مع حفتر على حركة الإمدادات عبر الكفرة، بعدما وثق خبراء الأمم المتحدة دور جماعات مسلحة مرتبطة به في دعم عمليات الدعم السريع. وفي المقابل، تواصل القاهرة شراكتها الوثيقة مع الجيش السوداني وتسعى إلى تأمين حدودها الجنوبية والغربية.
وامتد التنافس على الموارد إلى مناطق أخرى من الحدود السودانية المصرية. ففي 22 يونيو 2026، أعلن الجيش المصري إطلاق حملة أمنية في المنطقة العسكرية الجنوبية استهدفت شبكات التنقيب غير المرخص عن الذهب والتهريب والهجرة غير النظامية. وقال الجيش إن الحملة أسفرت عن القبض على 223 شخصًا، بينهم 87 مصريًا و136 أجنبيًا، وضبط معدات تعدين ومركبات وأسلحة. في المقابل، اشتكى منقبون سودانيون من الاعتقالات والترحيل ومداهمة مواقع التعدين.
وفي 10 أكتوبر 2026، استهدفت غارات جوية مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة جبل العقيدات قرب سوق الأنصاري على الحدود السودانية المصرية. وقالت شبكة أطباء السودان إن 13 منقبًا قُتلوا وأصيب 28 آخرون، بينما قدّرت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية عدد القتلى بنحو 72 شخصًا، واتهمت طائرات مصرية بتنفيذ الهجوم.
وفي شهادات نقلتها «سودان تريبيون» في 11 أكتوبر، قدّر ثلاثة ناجين عدد القتلى بأكثر من 200 شخص، في ظل صعوبات انتشال الجثامين ونقل المصابين. وظلت حصيلة الضحايا وهوية الطائرات المشاركة قيد التحقيق.
وتقع مناجم العقيدات في قطاع مختلف من الحدود السودانية المصرية، بعيدًا عن مثلث العوينات المحاذي لليبيا، وفق إفادات ميدانية نشرتها «سودان تريبيون». وكانت المنطقة قد تعرضت لغارات في يونيو 2026، اتهم منقبون القوات المصرية بتنفيذها.
وتعكس هذه الحوادث تصاعد التوتر حول مناجم الذهب والسيطرة على الحدود، بالتزامن مع استمرار الصراع على طرق التجارة والإمداد الممتدة من المثلث إلى الكفرة ودارفور، حيث تتحكم القوات المسلحة في الوصول إلى المناجم وحركة الإنتاج ونقله إلى الأسواق الخارجية.
https://www.noonpost.com/en/385915/amp/

